ميسي وكريستيانو والمواقف الإنسانية

عمان الأردنية – في عالم تتلاشى فيه الحدود رأسمالياً وتبنى حدود جديدة قائمة على الهوية والعنصرية، تحولت مباريات كرة القدم، وخاصة في الدوريات الأوروبية الكبرى لحدث هام وبارز في الوطن العربي وفي مختلف مدن العالم.
بعد تراجع كبير في السنوات الماضية لهوس كرة القدم، لصالح الأحداث السياسية والاجتماعية والإقتصادية والثقافية، عادت مرة أخرى هذه اللعبة لتتصدر المشهد في المدن، تحديداً بين الشباب، وفي ظل الحالة المتردية للرياضة العربية، صارت الدوريات الأوروبية والبطولات العالمية هى ملاذ الباحثين عن المتعة الكروية.
عشرات الشباب يتجمعون في المقهى، في انتظار مباراة الكلاسيكو الإسباني بين نادي ريال المدريد وبرشلونة، زجاجات المياه الغازية والمشروبات الساخنة تملأ المكان، بعض الفتيات يجلسن في ركن المقهى ويتحدثن بحماس كبير عن رؤيتهم للتشكيل وخطة اللعب المثلى من وجهة نظرهمن لكل فريق، مع بداية اللقاء يبدو المشهد غير مألوف فالعديد من مشجعي برشلونة يصيحون ويدعمون ريال المدريد.
هذا التحول المفاجئ للجمهور وتشجعيهم لفريق ريال المدريد، سببه الرئيسي تراجع شعبية الاعب الأرجنتيني الشهير ليونيل ميسي، فرغم الصخب الكبير الذي صاحب زيارته للشرق الأسط إلا أن موقفه المتعالي وتعامله بطريقة غير لائقة خلال الزيارة، أفقده الكثير من الشعبية، فضلًا عن الشائعات التي تحدثت عن تبرعه لدولة الإحتلال الإسرائيلي بمليون يورو منذ عامين، ورغم نفيه لهذه الشائعات، إلا أنه فقد الكثير من شعبيته، والأمر لم يقتصر عليه، بل امتد لنادي برشلونة الذي يلعب له.
على العكس من ذلك استطاع اللاعب البرتغالي كريستيانو رونالدو أن يحظى بمزيد من الشعبية لنادي ريال المدريد، فمن خلال مواقفه الداعمة للقضية الفلسطينية، زادت شعبية ناديه بقوة في الوطن العربي، وقد اختارت مؤسسة سيدة الأرض الفلسطينية ورابطة مشجعي ريال مدريد كريستيانو بوصفه شخصية عام 2016 نظرًا لمواقفه الإنسانية، وكان كريستيانو قد تبرع في عام 2012 بمبلغ يقارب 2 مليون دولار لأطفال غزة فضلًا عن تعاطفه المستمر مع الشعب الفلسطيني وإدانته للجرائم التي يرتكبها المحتل الإسرائيلي.
في هذا السياق، يقول إبراهيم 23 عاماً، وأحد مشجعي برشلونة سابقاً «أول مرة بحياتي أشجع الريال بعد ما كنت برشلوني من أيام روماريو وستويشكوف، وقررت أشجع الريال لأسباب إنسانية وسياسية، ورغم أن الريال اتهزم وميسي أثبت إنه لاعب يصنع سحرًا لا يقهره المدافعون، لكن أنا لسه مستمر في تأييد رونالدو والريال».
وترى سمر، إحدى مشجعات ريال مدريد، أن المواقف السياسة والإنسانية تؤثر بشكل كبير في مشاعرنا، وكرة القدم وغيرها من الرياضيات قائمة على المشاعر ومن الصعب أن تدعم فريق أو لاعبا وأنت تشعر أنه يرفضك ويتعالى عليك، قد تُعجب بمهاراته لكنك ستجد صعوبة في دعمه وتشجعيه.
على العكس من ذلك يعتبر أحمد 19 عاماً، أن كرة القدم هدفها المتعة، وبالتالي فهو يشجع نادي برشلونة لأنه يلعب بطريقة ممتعة، ولا يهتم بمواقف اللاعبين السياسة.
هذا التداخل بين عالمي السياسة وكرة القدم يطرح تساؤلًا مهمًا حول مدى المساحة التي تستحوذ عليها كرة القدم في عالمنا المعاصر، وكيف يمكن لها أن تعيد تشكيل رؤيتنا ومواقفنا من قضايا بعينها، خاصة في ظل حالة السجال الأخيرة المتزامنة مع الإنتخابات الفرنسية ودخول اللاعب الجزائري الفرنسي الشهير زين الدين زيدان في مواجهة مع المرشحة اليمينة المتطرفة ماريان لوبان مطالب الشعب الفرنسي وجمهوره وعشاقه بعدم التوصيت لها.
لوبان ردت بدعوة زيدان التوقف عن الحديث في السياسة والتركيز في كرة القدم، هذا السجال بين عالمي كرة القدم والسياسة يبدو أنه سيكون له حضور قوى خلال السنوات القادمة في ظل المتغيرات الكبيرة التي يعيشها العالم وخاصة فئة الشباب التي تعيش أوضاعا مأزومة على كافة الأصعدة مما يدفعها للسعى لكسر قيود وحدود كثيرة بحثًا عن حلول لهذه الأزمات ويبدو أن كسر هيمنة الإنتماء المطلق لفرق كرة القدم خطوة بارزة في هذا الإتجاه.القدس العربي